سيف الدين الآمدي
80
غاية المرام في علم الكلام
كل تقدير فما هو جواب لهم في حكم العلم هو جواب لنا في نفس العلم . وما يخص الجهمية هو أن يقال : ولو كانت العلوم الربانية حادثة ، فتلك العلوم إما أن تفتقر إلى علوم تتعلق بها في حال حدوثها أو لا تفتقر ، لا جائز أن يقال بالأول ، وإلا أفضى إلى التسلسل وهو محال . ولا جائز أن يقال بالثاني ؛ إذ لو استغنت عن تعلق العلم بها مع كونها حادثة لكان كل حادث هكذا كيف وأن عند الخصم أن العلم الحادث سابق على المعلوم بشيء يسير ، وكل علم سابق - كان السبق متناهيا أو غير متناه - فإنه علم ما سيكون لا علم بالكون ، إذ العلم بالكون قبل وقته يمتنع . وعند هذا فلا فرق بين أن يكون حادثا أو قديما فيما يرجع إلى نفس ما أورده من الإلزام . وليس تعلق العلم بالمعلوم عبارة عن انطباع صورة المعلوم وشكله ، في نفس العالم به ، وإلا لما تصور القول بتعلق السواد والبياض معا ؛ لما فيه من القول باجتماع الضدين في محل واحد ، وليس الاستحالة في اجتماعها منوطة بالحدث والوجود العيني ، فإن ذلك مما لا يوجب التضاد ؛ لكونه قضية واحدة لا اختلاف فيها ، فإذا ليس التضاد إلا لما أمكن تعقله من معنى السواد والبياض وما يلتحق بكل واحد منهما ، مما يكون به الاشتراك بينهما في حالة الوجود العيني . كيف وأنه لو كان التعلق هو الانطباع ، لما تصور أيضا أن يتعلق العلم بما يزيد في الكم على محل الانطباع ، ثم إن ذلك إنما يستند إلى أصل فلسفي . وهو مناقض لأصله في ذلك ، من جهة قضائه بإدراك القوة الوهمية بآلة جرمانية ، لما لا تجزؤ له في نفسه ، وليس بمادي ، وذلك على نحو إدراك الشاة للمعنى الموجب لنفرتها عن الذئب ، فلو كان التعلق هو نفس الانطباع ، فكما يستحيل انطباع المتجزئ فيما لا تجزؤ له ، فكذا يستحيل انطباع غير المتجزئ في المتجزئ ، فليس التعلق إذا إلا عبارة عن معنى إضافي ، يحصل بين العلم والمعلوم . وذلك مما لا يستدعي كون المعلوم معنى وجوديا ، ولا أمرا حقيقيا ،